هل السجن أفضل حلّ للمدينين المعسرين؟ هل السجن أفضل حلّ للمدينين المعسرين؟ د. عبدالعزيز حمد العويشق أعدت لجنة في المجلس الوطني الاتحادي بدولة الإمارات العربية المتحدة تقريراً عن تفاقم مشكلة تعثر سداد القروض، وهو من أحسن التقارير عن الموضوع إذ اعتمد أسلوباً شمولياً للتوصل إلى حلول جذرية للمشكلة. وحريٌّ بنا جميعاً في دول مجلس التعاون أن نستفيد من مقترحاته في معالجة مشكلة أصبحت تشكل خطراً اجتماعياً لا يقل عن الخطرين الاقتصادي والمالي. وقد لفت نظري ما أشار إليه التقرير من أن هناك نحو عشرة آلاف شخص في دولة الإمارات في المحاكم أو السجون من جراء تبعات هذه المشكلة، ويهمني هنا على وجه الخصوص من يتم سجنهم بسبب تعثر السداد، وهو تقليد نأخذه كإحدى المسلّمات في منطقتنا لكنه في الحقيقة لا يتفق مع ما استقر عليه القانون الدولي منذ فترة. ومع أن التقرير لم يدع إلى إلغاء سجن المدينين، إلا أنه قدم اقتراحات مفيدة للتقليل من الحاجة إليه. ومن المفارقات أن "سجن المدينين" في الحقيقة اختراع أوروبي، إلا أن الغرب تخلى عن ذلك الأسلوب منذ فترة طويلة، في حين ما زالت الدول النامية تعتمد عليه كوسيلة أساسية لحل مشكلة تعثر السداد، وذلك بالضغط على المدين عن طريق حبسه لكي يأتي هو بحلول مقبولة أو يُعاقب ضمناً على عدم قدرته على ذلك، في حين أن الحلول الأخرى تتطلب جهداً كبيراً من جانب الأجهزة التنفيذية وقوانين مفصلة، وإجراءات فنية وقضائية عديدة للتعامل مع المشكلة. تخلت الدول الغربية تدريجياً عن سجن المدينين لأنه ليس أفضل الحلول لتسهيل سداد الديون، نظراً للتكلفة الاقتصادية الباهظة من جراء إبقاء عشرات الآلاف مقيدي الحرية ومعدومي النشاط الاقتصادي خلال فترة سجنهم، فضلاً عن الأضرار التي يُحدثها للمدين وأسرته مما يفوق أي فوائد يمكن تحقيقها للدائن. وصدر أول قانون في الولايات المتحدة يحد من استخدامه في عام 1833م، إلى أن تم إلغاؤه نهائياً، وصدر قانون في بريطانيا في عام 1869م يمنع سجن المعسرين، ثم تم إلغاء سجن المدينين بشكل عام. وبالطبع لا زال من الممكن قانونياً حبس المدين المليء في حالات معينة كالنصب والاحتيال، ورفض دفع نفقة الأطفال والزوجة المطلقة، إنما يتم ذلك بقرار من المحكمة في حالات استثنائية. وقد تم تضمين هذا التوجه في القانون الدولي إذ نص الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1969م على عدم جواز السجن بسبب عدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية. وحيث صادقت جميع دول العالم تقريباً على الميثاق فإن هذا المبدأ قد أصبح عرفاً دولياً ملزماً، مما يعني أن علينا البحث عن وسائل أخرى غير السجن لحل مشكلة تعثر السداد، وهناك وسائل كثيرة مجرّبة تتبعها الدول الصناعية، وهي وسائل أكثر صعوبة وتعقيداً ولكنها تحقق الغرض من حماية حقوق الدائنين دون إحداث أضرار جسيمة بالمدين وأفراد أسرته من جهة وبالاقتصاد من جهة تعطيل الآلاف من المدينين عن العمل والإنتاج نتيجة حجزهم. التعديل الأخير تم بواسطة : اكسلنس بتاريخ 25-07-08 الساعة 01:51 AM. |